العيني

188

عمدة القاري

بالزراعة والغرس ، وقد مضى هذا الحديث في كتاب العلم في : باب حفظ العلم ، أخصر من ذلك ، فيه تقديم وتأخير ، فإنه أخرجه هناك : عن عبد العزيز بن عبد الله عن مالك عن ابن شهاب عن الأعرج عن أبي هريرة ، وهنا أخرجه : عن موسى بن إسماعيل ابن أبي سلمة المنقري البصري المدني : يقال له : التبوذكي وقد تكرر ذكره عن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف أبي إسحاق الزهري القرشي المديني ، كان على قضاء بغداد عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي هريرة ، وقد مضى الكلام فيه هناك . قوله : ( والله الموعد ) ، إما مصدر ميمي ، وإما اسم زمان ، أو اسم مكان ، وعلى كل تقدير لا يصح أن يخبر به عن الله تعالى ، ولكن لا بد من إضمار تقديره في كونه مصدراً . والله هو الواعد ، وإطلاق المصدر على الفاعل للمبالغة ، يعني : الواعد في فعله بالخير والشر ، والوعد يستعمل في الخير والشر ، يقال : وعدته خيراً ووعدته شراً ، فإذا أسقط الخير والشر يقال في الخير : الوعد والعدة ، وفي الشر : الإيعاد والوعيد . وتقديره في كونه اسم زمان ، و : عند الله الموعد يوم القيامة وتقديره في كونه اسم مكان ، و : عند الله الموعد في الحشر ، وحاصل المعنى على كل تقدير : فالله تعالى يحاسبني إن تعمدت كذباً ، ويحاسب من ظن بي ظن السوء . قوله : ( عمل أموالهم ) ، أي : الزرع والغرس . قوله : ( على ملء بطني ) ، بكسر الميم . قوله : ( وأعي ) ، أي : أحفظ من : وعى يعي وعياً إذا حفظ ، وفهم . وأنا واعٍ ، والأمر منه : عِ أي : إحفظ . قوله : ( ثم يجمعه ) ، بالنصب عطفاً على قوله : لن يبسط ، وكذا قوله : فينسى ، والمعنى : إن البسط المذكور والنسيان لا يجتمعان ، لأن البسط الذي بعده الجمع المتعقب للنسيان منفي ، فعند وجود البسط ينعدم النسيان ، وبالعكس فافهم . قوله : ( نمرة ) ، بفتح النون وكسر الميم : وهي بردة من صوف يلبسها الأعراب ، والمراد : بسط بعضها لئلا يلزم كشف العورة . قوله : ( فوالذي بعثه بالحق ) أي : فحق الله الذي بعث محمداً صلى الله عليه وسلم . قوله : * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . هذه آيتان في سورة البقرة * ( إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون إلاَّ الذي تابوا وأصلحوا وبينوا فأولئك أتوب عليهم وأنا التواب الرحيم ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاءت به الرسل من الدلالات البينة الصحيحة ، والهدي النافع للقلوب من بعد ما بينه الله لعباده في كتبه التي أنزلها على رسله ، قال ابن عباس : نزلت في رؤساء اليهود : كعب بن الأشرف وكعب بن أسيد ومالك بن الضيف وغيرهم ، كانوا يتمنون أن يكون النبي منهم ، فلما بعث محمد صلى الله عليه وسلم خافوا أن تذهب مأكلتهم من السفلة ، فعمدوا إلى صفة النبي صلى الله عليه وسلم فغيروها في كتابهم ثم أخرجوها إليهم ، فقالوا : هذا نعت النبي الذي يبعث في آخر الزمان ، وهو لا يشبه نعت النبي الذي بمكة ، فلما تطرق السلفة إلى صفة النبي من التي غيروها جحدوه لأنهم وجدوه مخالفاً ، فقال الله تعالى : * ( إن الذين يكتمون ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . وقال أبو العالية : نزلت في أهل الكتاب كتموا صفة محمد صلى الله عليه وسلم ثم أخبر أنهم يلعنهم كل شيء على صنيعهم ذلك ، ولعنة الله على عباده عبارة عن طرده إياهم وإبعاده ، ولعنة اللاعنين عبارة عن دعائهم باللعن قوله : * ( اللاعنون ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . جمع : لاعن ، يعني : دواب الأرض ، هكذا قال البراء بن عازب ، وقال عطاء بن أبي رباح : اللاعنون كل دابة والجن والإنس ، وقال مجاهد : إذا أجدبت الأرض قالت البهائم : هذا من أجل عصاة بني آدم ، لعن الله عصاة بني آدم . وقال قتادة وأبو العالية والربيع بن أنس : * ( يلعنهم اللاعنون ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . يعني : يلعنهم ملائكة الله والمؤمنون ، ثم استثنى الله تعالى من هؤلاء من تاب إليه بقوله : * ( إلا الذين تابوا ) * ( البقرة : 951 ، 061 ) . الآية . وفيه : دلالة على أن الداعية إلى كفر أو بدعة إذا تاب تاب الله عليه . قوله : * ( وبينوا ) * أي : رجعوا عما كانوا فيه وأصلحوا أحوالهم وأعمالهم ، وبينوا للناس ما كانوا كتموه . وقد ورد أن الأمم السالفة لم تكن تقبل التوبة من مثل هؤلاء ، ولكن هذا من شريعة نبي التوبة ونبي الرحمة صلى الله عليه وسلم . 24 ( ( كِتابُ المساقاةِ ) ) أي : هذا كتاب في بيان أحكام المساقاة ، ولم يقع لفظ : كتاب المساقاة في كثير من النسخ ، ووقع في بعض النسخ : كتاب الشرب ، ووقع لأبي ذر التسمية ، ثم قوله : في الشرب ، ثم قوله تعالى : * ( وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون ) * ( الأنبياء : 03 ) .